أراء

ايهاب الديك يكتب : الراحه في الغياب

ايهاب الديك
ايهاب الديك


في حياة كل إنسان، تمر لحظات يتمنى فيها شيئًا بشدة… يراه حلمًا، غاية، أو حتى خلاصًا من فراغ داخلي. يظن أن هذا الشيء لو تحقق، ستكتمل سعادته، وسيهدأ قلبه، وستستقيم حياته. يطارده في خياله، يدعو به، ويسعى إليه بكل ما يملك من طاقة.

لكن المفارقة المؤلمة… أن بعض ما نتمناه بشدة، حين يأتي، لا يأتي كما تخيلناه.

يأتي محمّلًا بثمن باهظ… تعب نفسي، استنزاف عاطفي، ضغط اجتماعي، وربما صراع داخلي لا ينتهي. تجد نفسك تحبه… نعم، لكنك تتأذى منه. تتمسك به… لكنك تُرهق بسببه. تعطيه كل شيء… ولا يبقى لك شيء.

وهنا تبدأ الحيرة:
كيف لشيء أحببته بهذا القدر أن يتحول إلى عبء؟
كيف لنعمة دعوت الله بها أن تصبح اختبارًا ثقيلًا على قلبك؟

الحقيقة أن الإنسان أحيانًا لا يتمنى الشيء كما هو… بل يتمنى الصورة التي رسمها له في خياله.
نحن لا نحب الأشياء دائمًا… بل نحب إحساسنا تجاهها.
نحب الفكرة، لا الواقع.
نحب الحلم، لا تفاصيله المتعبة.

وعندما نصطدم بالحقيقة، نكتشف أن ما ظننّاه سعادة، كان يحتاج إلى قدرة أكبر مما نملك… أو ربما لم يكن مناسبًا لنا من البداية.

ثم تأتي اللحظة الفاصلة…
لحظة الابتعاد.

تتوقع أن تنكسر، أن تضيع، أن تنهار…
لكن الذي يحدث غالبًا هو العكس.

تشعر براحة غريبة.
هدوء لم تعرفه منذ زمن.
سلام داخلي كأن شيئًا ثقيلاً أُزيح عن صدرك.

فتسأل نفسك بدهشة:
كيف اشتقت لشيء كان يؤذيني؟
وكيف وجدت راحتي في غيابه؟

الإجابة ببساطة…
لأن بعض الأشياء، رغم حبنا لها، ليست خُلقت لتستمر معنا.
ولأن الراحة ليست دائمًا في الحصول… بل أحيانًا في التخلي.

ليس كل ما نتمناه خيرًا لنا في وقته.
وليس كل ما نحبه مناسبًا لحياتنا.
وقد تكون الحكمة كلها في أن تأتي بعض الأشياء لتعلمنا… لا لتبقى معنا.

فنضج الإنسان لا يظهر في قدرته على التمسك فقط…
بل في قدرته على الانسحاب حين يدرك أن بقاءه يؤذيه.

وفي النهاية…
ليس الفقد دائمًا خسارة،
أحيانًا يكون بداية نجاة

الراحه في التخلي ايهاب الديك الحياه